الشيخ محمد رشيد رضا
50
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وابن مردويه وابن النحاس في ناسخه ، وروى الطبراني عنه انه نادم رجلا فعارضه فعربد عليه فشجه فنزلت الآيات في ذلك وعن ابن عباس قال : انما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار : شربوا فلما ان ثمل القوم عبث بعضهم ببعض ، فلما أن صحوا جعل يرى الرجل منهم الأثر بوجهه وبرأسه ولحيته فيقول : صنع بي هذا أخي فلان - وكانوا أخوة ليس في قلوبهم ضغائن - واللّه لو كان رؤوفا رحيما ما صنع بي هذا . حتى وقعت الضغائن في قلوبهم فأنزل اللّه هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ - إلى قوله - فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) فقال ناس من المتكلفين : هي رجس وهي في بطن فلان قتل يوم بدر ، وفي بطن فلان قتل يوم أحد ؟ فأنزل اللّه لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي وفي مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي والترمذي ان عمر كان يدعو اللّه تعالى : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . فلما نزلت آية البقرة قرأها عليه النبي ( ص ) فظل على دعائه ، وكذلك لما نزلت آية النساء . فلما نزلت آية المائدة دعي فقرئت عليه . فلما بلغ قول اللّه تعالى ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) قال انتهينا انتهينا . والحكمة في تحريم الخمر بالتدريج ان الناس كانوا مفتونين بها حتى أنها لو حرمت في أول الاسلام لكان تحريمها صارفا لكثير من المدمنين لها عن الاسلام بل عن النظر الصحيح المؤدي إلى الاهتداء به لأنهم حينئذ ينظرون اليه بعين السخط فيرونه بغير صورته الجميلة ، فكان من لطف اللّه تعالى وبالغ حكمته أن ذكرها في سورة البقرة بما يدل على تحريمها دلالة ظنية فيها مجال للاجتهاد ليتركها من لم تتمكن فتنتها من نفسه ( راجع 331 ج 2 ) وذكرها في سورة النساء بما يقتضي تحريمها في الأوقات القريبة من وقت الصلاة ، إذ نهى عن قرب الصلاة في حال السكر . فلم يبق للمصرّ على شربها الا الاغتباق بعد صلاة العشاء وضرره قليل . وكذا الصبوح من بعد صلاة الفجر لمن لا عمل له ولا يخشى ان يمتد سكره إلى وقت الظهر ، وقليل ما هم . وكان شيخنا يرى أن آية النساء نزلت قبل آية البقرة . ثم تركهم اللّه تعالى على